دربًا طويلاً
كانَ شابًّا صاحبَ عربةٍ يجوبُ بها شوارعَ بلدتهِ البسيطة ، عَمِلَ والِدهُ في تجارة الحبوب ليُكمل ابنهُ دراستهُ ، رغمًا عن الظُّروف الَّتي لاتسمحُ بسيرهِ نحو الهندسات ، كانَ يؤمنُ أنَّ هناكَ بصيصُ أملٍ سيظهرُ لا محالَ . شقَّ طريقًا واسعًا لخمسِ سنين (كثرةُ التَّكاليف وأجور النَّقل ورسوم التَّسجيل وثمن الكتب والمحاضرات الباهضة ) جُلَّها عوائق في وجهِ من لا يملكُ ألفي ليرة في جيبه!
إرادتهُ وأملهُ كانا كافيين ليجعلاهُ صابرًا لهذا القدر ، ها هو ذا اليوم تخرَّجَ . هل جرَّبتَ شعورين متناقضين في آنٍ واحد من قبل ؟ فرِحًا لأنَّهُ وصلَ إلى المكان الّذي يُريد و بالفعل انتهى كابوس دراستهُ ، أمَّا على النّحوِ الآخر مُكبّلًا ( كيف رح لاقي شغل بهالبلد !؟ الدكتور يا دوبو عايش ) سارت الأيَّام وهو في رحلةِ البحثِ عن العملِ ، لكنْ أبَت..
في طبيعتهِ شخصٌ طموحٌ لديهِ دافعٌ لا يُحبّ الاستسلام ؛ لذا لمْ ييأس وكانَ في كلِّ خطوةٍ تعيدُ به الخيباتُ للوراء يتذكَّرُ أنَّهُ لازال هُناكَ مُتَّسعٌ من الوقتِ . أنْ تمرَّ الأيَّام وأنت عاجزٌ لا تملكُ في جيبكَ سِوى قوتَ يومكَ ، فتذكر لبرهةٍ أنَّ بجيبك شهادةً وإيمانكَ الشّديد أنَّها شتصنعكَ لكن حتَّى يشاء اللّٰه . تلكَ الشهادة رُبَّما يكونُ لها نفعٌ كثير ، تتزاحمُ الأفكار والحالُ عسير
كلُّ تلكَ السَّنواتِ القَلِقة المتواطئَةُ ضدَّهُ هي والحياة ، هو يعلمُ أنَّه سيأخذُ كلَّ واحدٍ منَّا طريقهُ ، وأنَّ موجتهُ هي الَّتي ستقودهُ نحوَ قَدرهِ لمواجهةِ عُزلته وخوفه وحيدًا مثلمَا جاءَ لأوَّل مرَّة على هذه الذُّنيا ، قذفتهُ الأيَّام نحوَ السَّفر .. رُبَّما يُودِي بهِ ذلكَ نحو شيءٍ جديد .
رَغم مرارة الغربة وألم الفِراق عن مسقطِ رأسهِ ، إنَّهُ أمرٌ مُريب ؛ أنَّ الظُّروفَ إذا استحكمتكَ قيَّدتكَ بِوثاقٍ من حديد .
المعاناةُ من جديد ، السّاعاتُ تزحفُ في بلدٍ غريب ، يبحثُ عن عملٍ هُنا وهُناك ستَّة أشهُرٍ وما من جديد ، يقضي اللياليَ نائمًا على كُرسيٍّ من حديد ، مخاطبًا نفسهُ :أيزولُ هذا ؟ هل سأُخلقُ من جديد ؟ نعم أنا أوقنُ ، لكنَّ سُؤالي كيف؟ ومتى ؟ وهل سأتحمَّلُ المزيد ؟
أعلمُ أنَّ الظُّروف ضِدِّي لكنْ هذا لا يعني أنِّي سأفقدُ أملي فَـ شغفي يتجدَّدُ ومعَ كلِّ صُبحٍ أنا أُريد
فجأةً .. زُفَّ لهُ خبرًا بأنَّ هناك أحدٌ يحتاجُ شريكَ عملٍ ، وهنا انفتحَ ما كانَ مغلقًا لوليد
لا شيءَ يسيرُ بسهولةٍ ، العالمُ قاسٍ ومُخيف (لكن من يُريد يستطيع ) .كان مستقبلٌ مُبهمًا ، لم يكن قادرًا على فهمهِ لكنَّهُ كانَ قادرًا على مُقاومتهِ ، ملاحظات المحيط القاسِي والخيباتُ المتوالية مع راية الأمل كُلّها صنعت منهُ صاحبَ ثروةٍ كبيرةٍ .. يملكُ بفضلٍ من اللّٰه الكثير والكثير
لا ينبغي أن نستسلمَ عند أوَّل محطَّة فشلٍ ، كنْ كَما كان واتَّخِذ طريقكَ بإصراركَ واجعل الأملَ ضمادًا تستشفي بهِ عداوةَ الظُّروف والواقع المرير ، لنأخذ العِبرة من العُظماء أيُّها السَّادة والاستاذُ الكريم .
لو تأمَّلنا حياتنا لوجدنا أنَّنا أفضلُ بسببِ أسوأَ ما حدثَ لنا ، فالتَّجارُب القاسية هي الّتي تَصقِلُنا ، إنَّ الَّذين ليسَ لديهم أحلامٌ ماتوا أحياء !
وإنَّ كلَّ ما في الدُّنيا كان حُلمًا في يومٍ من الأيَّام ؛ فـ احلم ما شئت ولا تستسلم واجعل أملكَ حليفكَ ، فـ الحياةُ دونَ أحلامٍ جحيمٌ لا يُطاق !
بقلمي : بتول شفيق الزعبي
#الإعلامية-غزل-العبيد
0 تعليقات
أكتب تعليق يعبر عن رأيك عن هذا الخبر