اعلان الهيدر

نصًا للمبدعة بتول شفيق الزعبي بعنوان دربًا طويلا


دربًا طويلاً 


سلك دربًا طويلًا لا يُشبه الدُّروب العاديَّة ، كلّما سلكهُ ازدادَ تعقُّدًا وتعرُّجًا ، ما كانَ يُطمئنهُ أنَّهُ كُلَّما تقدَّمَ أكثَر ازدادَ النُّورُ كثافةً ولَمَعانًا وأنَّ الشَّمس ستخرجُ فجأةً من الظُّلمةِ وأنَّ الحالَ لنْ يبقى كما هوَ الحال.
كانَ شابًّا صاحبَ عربةٍ يجوبُ بها شوارعَ بلدتهِ البسيطة ، عَمِلَ والِدهُ في تجارة الحبوب ليُكمل ابنهُ دراستهُ ، رغمًا عن الظُّروف الَّتي لاتسمحُ بسيرهِ نحو الهندسات ، كانَ يؤمنُ أنَّ هناكَ بصيصُ أملٍ سيظهرُ لا محالَ . شقَّ طريقًا واسعًا لخمسِ سنين (كثرةُ التَّكاليف وأجور النَّقل ورسوم التَّسجيل وثمن الكتب والمحاضرات الباهضة ) جُلَّها عوائق في وجهِ من لا يملكُ ألفي ليرة في جيبه! 
إرادتهُ وأملهُ كانا كافيين ليجعلاهُ صابرًا لهذا القدر ، ها هو ذا اليوم تخرَّجَ . هل جرَّبتَ شعورين متناقضين في آنٍ واحد من قبل ؟ فرِحًا لأنَّهُ وصلَ إلى المكان الّذي يُريد و بالفعل انتهى كابوس دراستهُ ، أمَّا على النّحوِ الآخر مُكبّلًا ( كيف رح لاقي شغل بهالبلد !؟ الدكتور يا دوبو عايش ) سارت الأيَّام وهو في رحلةِ البحثِ عن العملِ ، لكنْ أبَت..
في طبيعتهِ شخصٌ طموحٌ لديهِ دافعٌ لا يُحبّ الاستسلام ؛ لذا لمْ ييأس وكانَ في كلِّ خطوةٍ تعيدُ به الخيباتُ للوراء يتذكَّرُ أنَّهُ لازال هُناكَ مُتَّسعٌ من الوقتِ . أنْ تمرَّ الأيَّام وأنت عاجزٌ لا تملكُ في جيبكَ سِوى قوتَ يومكَ ، فتذكر لبرهةٍ أنَّ بجيبك شهادةً وإيمانكَ الشّديد أنَّها شتصنعكَ لكن حتَّى يشاء اللّٰه . تلكَ الشهادة رُبَّما يكونُ لها نفعٌ كثير ، تتزاحمُ الأفكار والحالُ عسير
كلُّ تلكَ السَّنواتِ القَلِقة المتواطئَةُ ضدَّهُ هي والحياة ، هو يعلمُ أنَّه سيأخذُ كلَّ واحدٍ منَّا طريقهُ ، وأنَّ موجتهُ هي الَّتي ستقودهُ نحوَ قَدرهِ لمواجهةِ عُزلته وخوفه وحيدًا مثلمَا جاءَ لأوَّل مرَّة على هذه الذُّنيا ، قذفتهُ الأيَّام نحوَ السَّفر .. رُبَّما يُودِي بهِ ذلكَ نحو شيءٍ جديد .
رَغم مرارة الغربة وألم الفِراق عن مسقطِ رأسهِ ، إنَّهُ أمرٌ مُريب ؛ أنَّ الظُّروفَ إذا استحكمتكَ قيَّدتكَ بِوثاقٍ من حديد .
المعاناةُ من جديد ، السّاعاتُ تزحفُ في بلدٍ غريب ، يبحثُ عن عملٍ هُنا وهُناك ستَّة أشهُرٍ وما من جديد ، يقضي اللياليَ نائمًا على كُرسيٍّ من حديد ، مخاطبًا نفسهُ :أيزولُ هذا ؟ هل سأُخلقُ من جديد ؟ نعم أنا أوقنُ ، لكنَّ سُؤالي كيف؟ ومتى ؟ وهل سأتحمَّلُ المزيد ؟
أعلمُ أنَّ الظُّروف ضِدِّي لكنْ هذا لا يعني أنِّي سأفقدُ أملي فَـ شغفي يتجدَّدُ ومعَ كلِّ صُبحٍ أنا أُريد
فجأةً .. زُفَّ لهُ خبرًا بأنَّ هناك أحدٌ يحتاجُ شريكَ عملٍ ، وهنا انفتحَ ما كانَ مغلقًا لوليد
لا شيءَ يسيرُ بسهولةٍ ، العالمُ قاسٍ ومُخيف (لكن من يُريد يستطيع ) .كان مستقبلٌ مُبهمًا ، لم يكن قادرًا على فهمهِ لكنَّهُ كانَ قادرًا على مُقاومتهِ ، ملاحظات المحيط القاسِي والخيباتُ المتوالية مع راية الأمل كُلّها صنعت منهُ صاحبَ ثروةٍ كبيرةٍ .. يملكُ بفضلٍ من اللّٰه الكثير والكثير
لا ينبغي أن نستسلمَ عند أوَّل محطَّة فشلٍ ، كنْ كَما كان واتَّخِذ طريقكَ بإصراركَ واجعل الأملَ ضمادًا تستشفي بهِ عداوةَ الظُّروف والواقع المرير ، لنأخذ العِبرة من العُظماء أيُّها السَّادة والاستاذُ الكريم .
لو تأمَّلنا حياتنا لوجدنا أنَّنا أفضلُ بسببِ أسوأَ ما حدثَ لنا ، فالتَّجارُب القاسية هي الّتي تَصقِلُنا ، إنَّ الَّذين ليسَ لديهم أحلامٌ ماتوا أحياء ! 
وإنَّ كلَّ ما في الدُّنيا كان حُلمًا في يومٍ من الأيَّام ؛ فـ احلم ما شئت ولا تستسلم واجعل أملكَ حليفكَ ، فـ الحياةُ دونَ أحلامٍ جحيمٌ لا يُطاق !
بقلمي : بتول شفيق الزعبي
#الإعلامية-غزل-العبيد

إرسال تعليق

0 تعليقات