"القاتل المتسلسل" بقلم: إيمان بوسعيد
كان يقف أمام الجثمان الذي أمامه، بينما يتأمله في نظرة سريعة، يحاول أن يتبين ملامح هذا الجثمان القابع أمامه، جثة هامدة، كأنها تخبره أنها نفس مظلومة نفس مقتولة بدون أي حق، ليتذكر بعدها تلك الورقة الموضوعة على المائدة داخل منزل المقتول، بسرعة و بخطوات ثقيلة نحو منزله الذي يبعد بضعة أمتار، صوت حذائه الامع " طق، طق"
كان قد رأى تلك الورقة حين كان يتصفح بعض الأوراق الموضوعة على المائدة كانت كلامتها غير مفهومة، لم يعر الأمر أهمية، لكنه الان صار يدرك أنه وجد خيط الجريمة
صوت هاتفه الرنان المزعج يتناهى لسمعه، يحمله بأصابعه الطويلة، ثم يضغط زرا فإذا بصوت خشن يسمع:
_" أين أنت؟"
_" لقد وجدت يا سيدي خيط الجريمة"
_ " خيط! كيف"
_ " سيدي سأشرح لك كل شيء لاحقا"
_ " كما تريد"
ليقطع بعدها الخط، ازدادت حركته أكثر، دقات قلبه تتسارع، ها هو يدير المقبض الخشبي في حركة دائرية، و يتسلل للداخل موجها مسدسه للأمام، توقف حين لمح شيئا، إنها نفس الورقة ، التقطها بسرعة، ثم عاد أدراجه، عاد حيث كانت الجثة فلم يجدها، كان يعلم أن سيارة الاسعاف نقلتها إلى المقبرة.
أخذ يمشي تحت المطر الذي وفجأة بدأ بالهطول، واصل طريقه، حتى توقف أمام مبنى زجاجية واجهته، تأملها بعمق قبل أن يستقل أحد المصاعد توقف به المصعد أمام مكتب أنيق، دق الباب طرقات متواصلة و خفيفة، قبل أن يأذن له سيد في الستين من عمره، ذو لحية كثيفة و بصر حاد، وصوت غليظ، نطق الرجل :
" هل من أخبار عن المقتول"
" كلا، سيدي كل ما أعلمه هو أنه تم نقله للتشريح الطبي"
"جيد" قالها وهو يدير ظهره عائدا إلى كرسيه بالمكتب
أومأ برأسه، فإذا بالمحقق يخرج عائدا لمكتبه المتواضع، هناك جلس في هدوء وأخذ يحتسي كوب شايه في هدوء و سكينة، إلا أن هدوءه لم يدم طويلا، فإذا بصوت طرق الباب يكسر حجاز السكينة، حاول كتم غيظه، فنطق بالطارق
فتح الباب و إذا بضابط أخر يدخل، تقدم الضابط نحو الرجل فنطق فيه قائلا:
" سمير كيف حالك"
رد سمير بلهجة عميقة"بخير و أنت يا أحمد"
"بخير و الحمد لله، هل لديك أية أخبار عن الجريمة"
"كلا" نطق بينما يتأمل صورة معلقة على الحائط
"حسنا إلى اللقاء الان "
غادر أحمد فإذا بهاتف سمير يرن.
"ألو من معي؟"
"تريد أن.تعرف من أكون تعالى إلى العنوان الذي سأرسله لك "
"ولما قد أريد!"
" أضن أنك تريد معرفة القاتل"
" نعم، لكن...."
فإذا بالخط يغلق، تسمر سمير مكانه لوهلة ، إلا أنه استعاد توازنه
خرج من المبنى الضخم متجها للقاء بهذا المجهول الذي يدعي أنه يعرف القاتل، استقل سيارة أجرة صغيرة، في الطريق أخذ يتأملها كأنه يريد أن يحدد وجهته قبل أن يصل، مرت قرابة نصف ساعة، فإذا بسيارة أجرة تتوقف أمام مبنى مهجور و موحش، توغل بداخله أخذ ينادي بصوت عال، دون جدوى، وحين هم بالعودة أدراجه، اذا بظل أسود يتوارى وراء إحدى الجدران، أدار بصره في كل الاتجاهات محاولا اكتشاف من ذا الذي يقف أمامه، ليسمع بعدها بثوان صوت رجوليا كما خيل له :
" أتيت، أهلا بك "
"من تكون؟" رد سمير بلهجة تحمل معها نوعا من القلق.
"أنا من سيدلك على القاتل "
" هل لازلت تحتفظ بتلك الورقة" أكمل الصوت
أراد سمير أن يعترض فكيف عرف بشأن الورقة أكان يراقبه ؟ أسئلة عدة تدور في رأس سمير.
" أعلم أنك تتساءل كيف عرفت بخصوص الورقة، لكن هذا لا يهم الأن، تعالا معي " لتظهر يد بشرية تشير لسمير نحو أحد الأنفاق العتمة.
كان الظلام يشتد كل ما توغل داخل النفق العتم ، أحس لوهلة كأنه ينزل نفقا تحت الأرض أو كأن النفق لن ينتهي أبدا، الأكسجين يقل كلما تقدم، إلا أن ضوءا خافتا لاح له من بعيد ،مما حثه على مواصلة المسير، بضعة أمتار بعد و إذا به يقف وسط غرفة واسعة زادت فيها نسبة الأكسجين ،لا يدري بدايتها من نهايتها كأنها حلقة دائرية لا تنتهي ، تساءل لوهلة، فكيف يمكن لغرفة و نفق كهذا أن يكون تحت الأرض و أن لا يعرف عنه أحد شيئا، إلا أن الصوت المعهوذ عاد لينطق بنبرته المعهوذة :
" أهلا بك "
" هذه النبرة أعرفها جيدا "هكذا كان سمير يحدث نفسه.
وكأن المكان ساعده على تبين صوت الواقف أمامه.
تسمر أمامه حين تذكر شيئا سيكشف الكثير عن الجريمة.
أخذ الورقة التي كانت مكمشة داخل جيبه و أخرى كانت تخصه لمديره حين وقع له شهادة إلتحاقه بالعمل ، لاحظ أن الخط متشابه أو لعله ذات الخط.
" أظن أنك إكتشفت من أكون" نطق الصوت قبل أن يظهر وسط الغرفة.
كان سمير كتمثال جامد مكانه، كيف لا يتسمر مكانه و مديره يقف أمامه.
تسؤولات دارت في ذهنه، تمنى أن لا يكون جوابها ما يعتقده.
إلا أن كل شكوكه تحققت حين بدأ المدير يشرح جريمته الشنعاء.
" لعلك تتساءل ماذا أفعل هنا، لكن سأجيبك بكل بساطة أنك تعرف الجواب كلما ما في الأمر أنك تحاول إقناع نفسك أنك مخطئ، لكن سأأكد لك عزيزي أن ما يدور في عقلك الأن حقيقة" أخذ نفسا عميقا قبل أن يكمل حديثه.
" نعم أنا القاتل، أتعرف لماذا؟، سأخبرك فلا داعي لتحميسك أكثر، لعلك تعرف أن لدي خلافات مع الرئيس مارك أو بالأحرى صراعات، لطالما وددت التخلص منه، ولا أشك للحظة أنه كان يفكر في نفس الشيء، لكني طبعا أسرعت لأنفذ ما عزمت عليه قبله، في ذاك اليوم إستغليت إنشغالك بقضية أخرى،و أوهمت الضباط الأخرين بأني عائد للمنزل، لم يكن أحد ليشك بي، لأنهم مجرد ساذجين ، تسللت للمنزل حيث كان الرئيس " مارك " جالسا في هدوء يقرى كتابا، كان من السهل دخول المنزل فهو كان يترك باب المطبخ مفتوحا، لا تسألني كيف عرفت ذلك، لأني سأقول أني كنت أراقبه، نعم أراقبه في السر، إستدرجته لخارج المنزل حيث كان الأمر سهلا، إستغليت إنشغاله بالبحث عن مصدر الصوت المزعج، لأنقض عليه من الوراء، هكذا عزيزي إنتهيت منه، أكانت القصة رائعة ههههه" ختم حديثه بقهقهة مخيفة و مدوية.
" ك كيف؟ أ أنت إنسان ما كل هذا الحقد، لم أتصور يوما. أن رئيسي بالعمل و قدوتي في الحياة قد يكون يوما قاتلا و مجرما، لماذا؟ أنت تملك المال و السلطة لماذا قد تفعل هذا الفعل الشنيع ...." صرخ فيه سمير.
" لا داعي لهذا الكلام، فأنت لست في فلم تركي، أما عن سبب فعلي، فسأقول لك أن الرئيس " مارك " لطالما كان يكن لي عداوة كبيرة، لقد قاتل والداي و تسبب في جل أحزاني بسببه تشردت و بسبب أسرته، أتعلم لماذا؟ لأننا كنا أسرة سعيدة، لأنه إنسان حقود، ما ذنبي أنا، إنه مجرد إنتقام صغير له، وددت لو يعود للحياة لأقتله مرارا و تكرارا أجعله يعاني كما فعل بي "
نطق الرئيس في حزن و أسى و هو يتذكر ذكرياته المؤلمة، إلا أنه سرعان ما عاد لضحكته.
" أتأسف يا سيدي لما سأخبرك به، لكن سيارة الشرطة بالخارج تنتظرك، إستغليت فرصة حديثك لأتصل بهم" نطق سمير بسعادة.
" كلا ..، لا يعقل أن يتم إعتقالي أنا رئيسك أمرك الان أن تتوقف، أمرك أن تحميني " نطق الرئيس في خوف، لا يتقبل ما يسمعه.
" كنت رئيسي، لكنك الأن يا سيدي صرت مجرد خردة بالنسبة لي أو ركام إنسان عظيم لا أعلم أين حل ؟" صرخ سمير
" لا لا أزال رئيسك" ظل يكرر العبارة كالمجنون.
بينما داهمت. سيارات الشرطة المكان وتم إعتقال الرئيس، و الحكم عليه بالإعدام لفعله الشنيع.
في ذاك اليوم المشمس إستيقظ على صوت المنبه بجانبه على المنطدة.
" يا اللهول تأخرت ؟ " صرخ حين لامح المنبه.
دقائق بعد إستقل سيارة أجرة باتجاه المبنى الزجاجي، و هو يتذكر ذاك اليوم حين أعتقل رئيسه، تنهد بعمق كأنه يحث نفسه على التفاؤل، وهو يتأمل النافذة.
وصل بعد دقائق معدودة، حيث تفاجأ بهذا الكم الهائل من الحاضرين، أخذ يحي هذا و يسأل عن أحوال ذاك، إلى أن سمع إسمه، فتوجه نحو المنصة و تناول "الميكروفون":
" أهلا جميعا يسعدني تواجدي معكم في هذا الحفل المتميز، أشكركم على حضوركم، سيداتي و سادتي دوما هناك أشخاص جيدون يحيطون بنا يوفرون لنا الدعم و أشخاصا يحبطوننا، و يتسخ عالمنا بأفعالهم القذرة، لذا فأنا أعدكم أني سأدافع عن بلدي حتى أخر نفس لي، و أقوم بدوري ك " رئيس " لفريق الشرطة على أكمل وجه"
وسط تصفيق الحاضرين و عبارات الشكر و التقدير و قف يتأمل بلده وهو يتسلم شارة الرئيس الأعلى.
دوما ما نجد أشخاصا يبتسمون لنا لا ندرك أنهم يخفون وراء أقنعتهم مظاهر قبيحة و أفعالا قزرة، إلا أننا نقف أمامهم بقوة.
بقلم#إيمان_بوسعيد/ المغرب
#قادة_المستقبل_نيوز.
جميع حقوق النشر محفوظة في هذه القناة :
المكتبة الوطنية العالمية لحقوق مقالات المواقع.

0 تعليقات
أكتب تعليق يعبر عن رأيك عن هذا الخبر